| د. عبدالعزيز بن عبدالله الخويطر |
| |
تَوَلّي خادم الحرمين الشريفين الملك فهد الحكم قبل عشرين عاماً لا يعني بدء تأثيره على النمو والتطور الذي وصلت إليه البلاد ؛ فأول مشاركة لـه جاءت بالتأثير المهم هي توليه وزارة المعارف ؛ فالتعليم هو مفتاح باب التقدم ، ومنه يوصل إلى الغايات التي يتطلع إليها المجتمع في جميع مرافق حياته ، وقد أدرك - رحمه الله - أهمية التعليم هذه ، فالتفت التفاتة مصلح على التعليم ، وركز جهده على الكم والكيف ، فنشر المدارس في البلاد أدناها وأقصاها ، وزاد المدارس في المدن والقرى ، وفتحها في المناطق النائية ، وفي البراري ، ثم توّجها بإنشاء جامعة الملك سعود ، ففتح الباب على هذا في التوسع في التعليم العام ونشره ، وفي التعليم العالي بإيجاد النواة ، وهذه النواة لأنها وضعت في تربة صالحة ، ووقت ملائم ، نمت حتى وصلت اليوم إلى ثماني جامعات ، مع الكليات المتفرقة التي سوف تؤدي في آخر الأمر إلى توسع يوصلها إلى جامعات.
وتلا وزارة المعارف وزارة الداخلية ، وقد وضع لها الأسس ؛ لتكون أجهزتها كفيئة بمقابلة النمو السكاني ، وما يحتاجه في مجال الأفق بجميع جوانبه ، وبجميع ما يحتاجه من أجهزة بشرية وآلية ، والأسس الموضوعة بأسلوب سليم يراعي الحاضر ، ويستعد للمستقبل هي التي جعلتها مزدهرة تجاه ما عليها من واجب في مرافقها المختلفة.
وتكاد الإنجازات التي تمت على يده عندما أصبح نائباً للملك لا تحصى ؛ فهو مشارك قوي في الخطط الست التي بدئ بها عندما بدئ ، واستمرت حتى اليوم منهجاً للتنمية السليمة في ضوء حاجة البلاد ومقدرتها.
كان – يرحمه الله - يخطط للمستقبل ، ويخطط بجزالة ، وتبين منهجه هذا عندما أصبح ملكاً ، وتمثل هذا في شق الطرق ذات المسارات المتعددة ، والشوارع الواسعة ، والمطارات العالمية محط الإعجاب والتقدير ، والموانئ بما تحتاجه من آليات حديثة ، وأساليب متقدمة ، وأصبح ذلك مثلاً يحتذى في كل مرفق يحتاج إلى التفات.
وجزالته – يرحمه الله - وحسن تصوره للمستقبل ، واحتياجاته ، وما يلزمه من استعداد يتمثل فيما فعله في مكة المكرمة ، والمدينة المنورة من تخطيط متميز ، وما تم من تطوير للحرم المكي والمسجد النبوي من عمارة فريدة في التصميم العالمي ، والإنجاز الباهر ، وهما يشهدان بالكرم والعناية في أقدس معلمين ، هما في قلب كل مسلم.
كان - رحمه الله - حاضر الذهن في الإقدام على ما ينفع البلاد ، يتم ذلك عن طريق تخطيط متأن سليم ، يشرف عليه بنفسه ، ويتابعه في جميع دقائقه ؛ مما يجعل من يعملون معه في يقظة تامة ودائمة ، وعن طريق تنفيذ جزل ، لا ينظر إلى المال ، وإنما إلى ما أنفق فيه من عمران وبناء ، والتطوير والإضافة والتعديل يستمر تحت إشرافه ، رحمه الله وكان حاضر الذهن - رحمه الله - عندما تبرز معضلة ، أو تلوح في الأفق ، مثلما حدث وقت الطفرة من ارتفاع أجار البيوت ، وملاحظته عناء الناس ، فسارع بإنشاء صندوق التنمية العقاري ، وبإعطاء أراضٍ منحاً لمن هو محتاج . وأذكر أنه قال في مجلس الوزراء : " يجب أن نطوق المشكلة من جميع جوانبها ؛ فصندوق التنمية العقاري لا يكفي أن يقرض الأفراد لمساكنهم ، ولكن يمكنه أن يقرض أيضاً من ينوي بناء عمارة أو فندقاً " ، وتم هذا ، حتى بلغت بعض القروض أكثر من عشرة ملايين لمشروع واحد.
ولما أقبل الناس على البناء شح الأسمنت في الأسواق ؛ لأنه لم يكن هناك إلا ثلاثة مصانع ، وغير مسموح لها بالتوسع ، حتى لا يضرب أحدها الآخر ، فأمر - رحمه الله - أن تتوسع ، وأن يسمح بإنشاء مصانع جديدة ، وتعطى قروضاً سخية ولما تجمعت في البحر قرب الموانئ السفن التي تحمل شحنات إسمنت ، لم تستطع الموانئ مقابلة الضغط الذي حدث ، فبقي بعضها ستة أشهر قبل أن تتمكن من إفراغ حمولتها ، فأمر - رحمه الله - أن تنزل حمولتها على حساب الدولة عن طريق طائرات طوافة ، فقيل : " إن الموانئ ليس فيها أرصفة كافية " ، فقال : " نسمح لسيارات النقل الأجنبية [ وكانت ممنوعة ] بأن تنقل الإسمنت ؛ لأن الظرف يوجب الاستثناء " . وسمح للتجار بإنشاء أرصفة مؤقتة، تنقل عن طريقها الشحنات السائبة للإسمنت ، وهكذا تمت محاصرة الأزمة بكل وسيلة ، حتى انفرجت الأزمة في وقت مثالي ، ونزل سعر كيس الإسمنت من أربعين ريالاً إلى اثني عشر ريالاً ، فكانت النظرة صائبة ، والعمل جدياً ، ومتتابعاً وكان حريصاً - رحمه الله - على مساندة القطاع الخاص بالقروض ، والإعانات ، حتى وصل إلى القوة التي هيأته الآن أن يسهم في سياسة التخصيص التي اختارتها الدولة لمقابلة متطلبات التنمية في هذه الخطة الحاضرة.
السياسة الحكيمة التي انتهجها - رحمه الله - أبعدت عن المملكة الهزات التي تعرض لها غيرنا ، وهي سياسة تسير على ما كان وضع قواعده مؤسس الكيان الملك عبدالعزيز ، رحمه الله ، وسار عليها أبناؤه من بعده.
هذه لمحة سريعة عن بعض مظاهر الإنجاز التي أولاها خادم الحرمين الشريفين عنايته ، فآتت أكلها كما خطط لها.
|
|
|