|
يبدو أن السنين تمر بسرعة فعلاً وإلا لما كنا نتحدث اليوم عن مناسبة تبلغ من العمر عشرين سنة مع أنها ما زالت ماثلة أمامنا بكل حيويتها وتفاصيلها لدرجة يكاد الإنسان معها يرى في مخيلته الآن صوراً لم تبهت بعد للأشخاص والأمكنة كما كانت يوم بدأ جلالة الملك فهد - رحمه الله - مسؤولية الحكم ، وبالنسبة لي فإنني ما زلت أرى أمامي الآن موقفاً قصيراً ارتبط في خاطري بهذه المناسبة عندما كان أحد المسؤولين في يوم تلك المناسبة يشرع في عرض موضوع عاجل ، فبدأ الحديث ، وأدخل كلمة ( جلالتكم ) في بداية جملته ، وكان يقولها لأول مرة ، ثم كررها مرة أخرى مباشرة كما لو كان يريد أن يعوِّد لسانه على هذه الكلمة ، فقاطعه الملك فهد قائلاً : " لا تهتم بالبحث عن كلمات جديدة ، المهم هو الموضوع الذي تريد الحديث عنه ".
لم أذكر هذه الحادثة في المقدمة إلا لغرض الدخول إلى ما أريد أن أتحدث
عنه هنا ، وهو الجانب العملي في فكر عمل الملك فهد وأسلوبه ، يرحمه
الله .
أستطيع أن أقول بالأسلوب المباشر نفسه الذي أشرت إليه : إن الملك فهد رجل عمل كرس نفسه كلياً لممارسة مهام قيادته بأسلوب مباشر ، فهو يعبر عمَّا يريد بكلمات واضحة ، ويتوقع من الآخرين أن يتحدثوا معه بالأسلوب نفسه ، وإذا ما شعر إنسان ما في بداية اتصاله به بشيء من التردد في الكيفية المناسبة لعرض موضوعه أو حاول جعل حديثه مختصراً ضناً بوقته أو شعر بأن عليه أن يعرض ما لديه بشيء من التسهيل أو بالتقليل من أهمية الجوانب السلبية وإبراز الجوانب الإيجابية فإنه سرعان ما يدرك بعد تجربة قصيرة أن عليه أن يعرض موضوعه عرضاً دقيقاً ، وأن الملك لن يكتفي بالسماع ، ولكنه سيضيف أو يسأل أو يفاجئه بالقول : " إنني لم أتبين هذه النقطة " ، ويطلب منه إعادتها ، وأنه قد يتحدث معه في وقت آخر عن الموضوع نفسه ، أو حتى يتصل به هاتفياً .
إن دور القائد مهما اختلف مكانه أو مجال أو نطاق قيادته لدور صعب فعلاً، والذي تتاح لـه فرصة العمل المباشر مع قائد دولة وهي أكثر أنواع القيادة صعوبة وتعقيداً يدرك تماماً أنها مهمة صعبة مرهقة ، تحتاج إلى تركيز هائل طوال الوقت دون توقف ، فالرجوع للقائد من قبل العاملين معه لا يتم فقط ؛ لأن هناك قواعد عمل تلزمهم بالرجوع إليه في أمور معينة ، أو لأن لـه صلاحيات محددة ؛ ولكن القائد يستطيع أن يضيف لموضوع البحث أبعاداً جديدة توسع رؤية المسؤول للموضوع ، أو يضيف لعناصر البحث عناصر أخرى ، وقد يعرف المسؤول خلال ذلك معلومات لم تكن ضمن ما يحيط به ؛ بمعنى أن الرجوع للقائد أمر يحتاجه المسؤول ليس فقط لأخذ التعليمات ، وإنما أيضاً لإتمام جوانب موضوعه أكثر مما يضطر إليه بقوة أنظمة العمل أو حدود صلاحياته ، ويتجلى هذا الوضع أكثر ما يكون عندما يكون القائد حاضراً فاحصاً ملماً قادراً كما هو الحال في شخصية الملك فهد.
إن تفرغ القائد لقيادته ليس مجرد تفرغٍ في الوقت ، ولكنه تفرغ الذهن وتركيزه على دور القيادة تركيزاً مستمراً متوهجاً ، وصفة التفرغ هذه قد تبدو للبعض أمراً بديهياً لا يحتاج للذكر ، ولكنها في الحقيقة ليست كذلك ؛ فالتفرغ في الوقت شيء ، وتفرغ الذهن شيء آخر تماماً ، وهو - أي التفرغ - عامل مهم في نجاح القائد وبروزه ، وقد تفرغ الملك فهد لقيادته تفرغاً خالصاً يستطيع الإنسان أن يراه بعد هذه السنوات العشرين في كل مجال .
لقد كنت أعجب كثيراً بالمجهود والوقت اللذين كان الملك فهد يبذلهما في سبيل متابعة ما يتم تنفيذه من مشاريع خلال تلك الفترة النشطة التي تم خلالها تنفيذ عدد ضخم من المشروعات المختلفة في النوع والموقع والحجم ، كانت تلك المرحلة من أهم مراحل التاريخ الحديث لبلادنا ، ومع هذا فقد تابع الملك فهد - رحمه الله - هذه المشاريع في تلك المرحلة بتصميم هائل يثير الإعجاب ، فكان متابعاً دقيقاً ، يطلب بيانات مكتوبة ، ويطلب تحديثها بين وقت وآخر ، ويسأل أسئلة شفوية أو هاتفية ، ويتحدث عنها في الاجتماعات الرسمية بالقدر الذي حقق قدراً جيداً من المعرفة المشتركة ، ومن ثم التنسيق على مستوى الأجهزة الحكومية المختلفة ، وساعد أيضًا على توفير الدعم المعنوي لهذه المشاريع ، ولم يكن هذا هو الجانب الوحيد في مجهوده الشاق لمتابعة المشاريع ، فالاجتماعات العامة التي كان يعقدها في الجامعات وفي مناسبات أخرى مشابهة كانت جزءاً من مجهود المتابعة تلك ، وعلى الرغم مما كانت تتطلبه هذه الاجتماعات من وقت وجهد في التحضير وفي المناقشات ، إلا أنها كانت أسلوباً قويًّا حقق فرصاً متعددة من التواصل بين الأوساط الوطنية العامة والخاصة في جميع أنحاء البلاد ، وحشد وراءه قدراً كبيراً من المتابعة الشعبية لهذه المشاريع ، وقد كانت هذه الاجتماعات اجتماعات تثقيفية قوية أفادت الجميع ، وجعلتهم يتعرفون على جوانب التنمية الاقتصادية من منظور متقارب بقي قائماً حتى اليوم ، لقد كانت مهمة متابعة المشاريع والمناقشات العامة التي كان الملك فهد يقودها في تلك الاجتماعات مهمة دقيقة ، ولكنَّ أداءها لم يكن صعباً عليه نتيجة معرفة الملك فهد - رحمه الله - وتكريس وقته وذهنه لمسؤولية القيادة .
لقد أدى الأسلوب العملي المباشر الواضح والثابت للملك فهد – يرحمه الله - إلى زيادة كفاءة الأفراد والأجهزة التنفيذية التي تعمل معه ؛ ذلك أن وضوح الأهداف المطلوب العمل على تحقيقها ووضوح أسلوب العمل وثباته يؤدي إلى زيادة وتحسين إنتاجية كل جهاز على حدة ، وتحسين أداء الأجهزة التنفيذية بوصفها مجموعة ، كما يؤدي إلى رفع الروح المعنوية لفريق العمل ، وزيادة الحماس والثقة بالنجاح ، وهي عوامل مؤثرة في النتيجة النهائية للإنتاجية
|